الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر
قبض العلم وظهور الجهل

ومن أشراطها قبض العلم, وفشو الجهل، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل)) رواه البخاري (80)، ومسلم (2671). .
وروى البخاري عن شقيق قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى فقالا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل, ويرفع العلم)) رواه البخاري (7062). .
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقي الشح، ويكثر الهرج)) رواه مسلم (157). .
قال ابن بطال: (وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عياناً, فقد نقص العلم, وظهر الجهل, وألقي الشح في القلوب, وعمت الفتن, وكثر القتل) ((شرح صحيح البخاري)) (10/13)، و((فتح الباري)) (13/16). وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: (الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى بما يقابله إلا النادر, وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم, فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم, لأنهم يكونون حينئذ معمورين في أولئك) ((فتح الباري)) (13/16). .
وقبض العلم يكون بقبض العلماء, ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) رواه البخاري (100)، ومسلم (2673). .
قال النووي: (هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه ولكن معناه: أن يموت حملته, ويتخذ الناس جهالاً يحكمون بجهالاتهم, فيَضِلُّون ويُضِلِّون) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (16/223).
والمراد بالعلم هنا علم الكتاب والسنة وهو العلم الموروث عن الأنبياء عليهم السلام, فإن العلماء هم ورثة الأنبياء وبذهابهم يذهب العلم وتموت السنن وتظهر البدع ويعم الجهل، وأما علم الدنيا فإنه في زيادة وليس هو المراد في الأحاديث، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ((فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)). والعلماء الحقيقيون هم الذين يعملون بعلمهم, ويوجهون الأمة ويدلونها على طريق الحق والهدى, فإن العلم بدون عمل لا فائدة فيه, بل يكون وبالاً على صاحبه، وقد جاء في رواية للبخاري ((وينقص العمل)) رواها البخاري (6037). .
قال الإمام مؤرخ الإسلام الذهبي بعد ذكره لطائفة من العلماء: (وما أوتوا من العلم إلا قليلاً، وأما اليوم فما بقي من العلوم القليلة إلا القليل في أناس قليل ما أقل من يعمل منهم بذلك القليل فحسبنا الله ونعم الوكيل) ((تذكرة الحفاظ)) (3/1031). وإذا كان هذا في عصر الذهبي فما بالك بزمننا هذا؟ فإنه كلما بعد الزمان من عهد النبوة كلما قل العلم وكثر الجهل, فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلم هذه الأمة ثم التابعين, ثم تابعيهم, وهم خير القرون كما قال صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم يلونهم)) رواه البخاري (3651)، ومسلم (2533). .
ولا يزال العلم ينقص والجهل يكثر حتى لا يعرف الناس فرائض الإسلام, فقد روى حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة, ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية, وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله, فنحن نقولها. فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة, ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة, ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة, تنجيهم من النار ثلاثاً)) رواه ابن ماجه (3289)، والحاكم (4/587)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (2/356) (2028). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (4/94): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/19): إسناده قوي. .
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((لينزعن القرآن من بين أظهركم يسري عليه ليلاً فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء)) رواه الطبراني (9/141) (8719)، وعبدالرزاق في ((المصنف)) (3/363). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/332): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل وهو ثقة، وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/19): إسناده صحيح لكنه موقوف. .
قال ابن تيمية: (يسري به في آخر الزمان من المصاحف والصدور فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف) ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (3/198). .
وأعظم من هذا أن لا يذكر اسم الله تعالى في الأرض كما في الحديث عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)) رواه مسلم (148). .
قال ابن كثير: (في معنى هذا الحديث قولان:
أحدهما: أن معناه أن أحداً لا ينكر منكراً, ولا يزجر أحداً إذا رآه قد تعاطى منكراً، وعبر عن ذلك بقوله ((حتى لا يقال: الله الله))، كما … في حديث عبد الله بن عمرو ((فيبقى فيها عجاجة لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً)) رواه أحمد (2/210) (6964). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (8/16): رواه أحمد مرفوعاً وموقوفاً ورجالهما رجال الصحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (11/161). .
والقول الثاني: حتى لا يذكر الله في الأرض, ولا يعرف اسمه فيها, وذلك عند فساد الزمان، ودمار نوع الإنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان” ((النهاية في الفتن والملاحم)) (1/122-123). .أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: 102

شاركـنـا !
مواضيع ذات صلة

أترك تعليق
ابحث في الموقع
جديد الفيديوهات
القائمة البريدية
التقويم
ديسمبر 2017
د ن ث أرب خ ج س
« أكتوبر    
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  
احصائيات الموقع
  • 27٬088
  • 220
  • 0
  • 0
جميع الحقوق محفوظة لـ الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر © 2015