الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر
تفسير سورة نوح
2018 9 16 14 7 20 85 - تفسير سورة نوح

سورة نوح عليه السلام – مكية –
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
صبر الدعاة وجهادهم في الدعوة، من خلال قصة نوح، تثبيتًا للمؤمنين، وتهديدًا للمكذبين.

[التَّفْسِيرُ]

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦۤ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ۬ (١)
1 – إنا بعثنا نوحًا إلى قومه يدعوهم ليخوّف قومه من قبل أن يأتيهم عذاب موجع بسبب ما هم عليه من الشرك بالله.

قَالَ يَـٰقَوۡمِ إِنِّى لَكُمۡ نَذِيرٌ۬ مُّبِينٌ (٢)
2 – قال نوح لقومه: يا قوم، إني لكم مُنْذِرٌ بَيِّنُ الإنذار من عذاب ينتظركم إن لم تتوبوا إلى الله.

أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)
3 – ومقتضى إنذاري لكم أن أقول لكم: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتقوه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به.

يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٍ۬ مُّسَمًّى‌ۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ‌ۖ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (٤)
4 – إنكم إن تفعلوا ذلك يغفر الله لكم من ذنوبكم ما لا يتعلق بحقوق العباد، ويُطِلْ أمد أمّتكم في الحياة إلى وقت محدد في علم الله، تعمرون الأرض ما استقمتم على ذلك، إن الموت إذا جاء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون لبادرتم إلى الإيمان بالله والتوبة مما أنتم عليه من الشرك والضلال.

قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوۡتُ قَوۡمِى لَيۡلاً۬ وَنَهَارً۬ا (٥)
5 – قال نوح: يا رب، إني دعوت قومي إلى عبادتك وتوحيدك، ليلًا ونهارًا باستمرار.

فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِىٓ إِلَّا فِرَارً۬ا (٦)
6 – فلم تزدهم دعوتي لهم إلا نفورًا وبُعْدًا مما أدعوهم إليه.

وَإِنِّى ڪُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَـٰبِعَهُمۡ فِىٓ ءَاذَانِہِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَہُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارً۬ا (٧)
7 – وإني كلما دعوتهم إلى ما فيه سبب غفران ذنوبهم؛ من عبادتك وحدك ومن طاعتك وطاعة رسولك سدّوا آذانهم بأصابعهم؛ ليمنعوها من سماع دعوتي، وغطّوا وجوههم بثيابهم حتَّى لا يروني، واستمرّوا على ما هم عليه من الشرك، وتكبّروا عن قبول ما أدعوهم إليه، والإذعان له.

ثُمَّ إِنِّى دَعَوۡتُہُمۡ جِهَارً۬ا (٨)
8 – ثم إني -يا رب- دعوتهم علانية.

ثُمَّ إِنِّىٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارً۬ا (٩)
9 – ثم إني رفعت لهم صوتي بالدعوة، وأسررت إسرارًا خفيًّا، ودعوتهم بصوت منخفض؛ منوّعًا لهم أسلوب دعوتي.

فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُ ۥ كَانَ غَفَّارً۬ا (١٠)
10 – فقلت لهم: يا قوم، اطلبوا المغفرة من ربكم بالتوبة إليه، إنه سبحانه كان كفارًا لذنوب من تاب إليه من عباده.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر الغفلة عن الآخرة.
• عبادة الله وتقواه سبب لغفران الذنوب.
• الاستمرار في الدعوة وتنويع أساليبها حق واجب على الدعاة.

يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارً۬ا (١١)
11 – فإنكم إن فعلتم ذلك ينزل الله عليكم المطر متتابعًا كلما احتجتم إليه، فلا يصيبكم قحط.

وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٲلٍ۬ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّـٰتٍ۬ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡہَـٰرً۬ا (١٢)
12 – ويعطيكم بكثرةٍ أموالًا وأولادًا، ويجعل لكم بساتين تأكلون من ثمارها، ويجعل لكم أنهارًا تشربون منها وتسقون زروعكم ومواشيكم.

مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارً۬ا (١٣)
13 – ما شأنكم -يا قوم- لا تخافون عظمة الله حيث تعصونه دون مبالاة؟!

وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا (١٤)
14 – وقد خلقكم طَوْرًا بعد طَوْر من نُطْفة فَعَلَقة فمُضْغة.

أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَـٰوَٲتٍ۬ طِبَاقً۬ا (١٥)
15 – ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات، سماء فوق سماء؟!

وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيہِنَّ نُورً۬ا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجً۬ا (١٦)
16 – وجعل القمر في السماء الدنيا منهن ضياء لأهل الأرض، وجعل الشمس مضيئة.

وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتً۬ا (١٧)
17 – والله خلقكم من الأرض بخلق أبيكم آدم من تراب، ثم أنتم تتغذون بما تُنْبته لكم.

ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيہَا وَيُخۡرِجُڪُمۡ إِخۡرَاجً۬ا (١٨) 18 – ثم يعيدكم فيها بعد موتكم، ثم يخرجكم للبعث منها إخراجًا.

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطً۬ا (١٩)
19 – والله جعل لكم الأرض مبسوطة مهيَّأة للسُّكْنى.

لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡہَا سُبُلاً۬ فِجَاجً۬ا (٢٠)
20 – رجاء أن تسلكوا منها طرقًا واسعة سعيًا للكسب الحلال.

قَالَ نُوحٌ۬ رَّبِّ إِنَّہُمۡ عَصَوۡنِى وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُ ۥ وَوَلَدُهُ ۥۤ إِلَّا خَسَارً۬ا (٢١)
21 – قال نوح: يا رب، إن قومي عصوني فيما أمرتهم به من توحيدك وعبادتك وحدك، واتبع السفلة منهم رؤساءهم الذين أنعمت عليهم بالمال والولد، فلم يزدهم ما أنعمت به عليهم إلا ضلالًا.

(٢٢) وَمَكَرُواْ مَكۡرً۬ا ڪُبَّارً۬ا
22 – ومكر الأكابر منهم مكرًا عظيمًا بتحريشهم سَفَلَتهم على نوح.

وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعً۬ا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرً۬ا (٢٣)
23 – وقالوا لأتباعهم: لا تتركوا عبادة آلهتكم؛ ولا تتركوا عباد صنامكم وَدِّ ولا سُوَاع ولا يَغُوث ولا يَعُوق ولا نسْر.

وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرً۬ا‌ۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَـٰلاً۬ (٢٤)
24 – وقد أضلّوا بأصنامهم هذه كثيرًا من الناس، ولا تزد -يا رب- الظالمين لأنفسهم بالإصرار على الكفر والمعاصى إلا ضلالًا عن الحق.

مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِہِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارً۬ا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارً۬ا (٢٥)
25 – بسبب خطيئاتهم التي ارتكبوها أغْرِقوا بالطوفان في الدنيا، فأُدْخِلوا النار بعد موتهم مباشرة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا ينقذونهم من الغرق والنار.

وَقَالَ نُوحٌ۬ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)
26 – وقال نوح لما أخبره الله أنَّه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن: يا رب، لا تترك على الأرض من الكافرين أحدًا يدور أو يتحرك.

إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرً۬ا ڪَفَّارً۬ا (٢٧)
27 – إنك -ربنا- إن تتركهم وتمهلهم يضلّوا عبادك المؤمنين، ولا يلدوا إلا صاحبَ فجورٍ لا يطيعك، وشديدَ كفرٍ لا يشكرك على نعمك.

رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِى وَلِوَٲلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِىَ مُؤۡمِنً۬ا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا (٢٨)
28 – ربّ اغفر لي ذنوبي، واغفر لوالديَّ، واغفر لمن دخل بيتي مؤمنًا، واغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي إلا هلاكًا وخسرانًا.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستغفار سبب لنزول المطر وكثرة الأموال والأولاد.
• دور الأكابر في إضلال الأصاغر ظاهر مُشَاهَد.
• الذنوب سبب للهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

اسئلة سورة نوح عليه السلام
1⃣ من تذكر من هم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر؟ ذكرها الحافظ ابن كثير

ج/ذكر ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره:

“هي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.”
…….
2⃣ ماذا استفدت كداعية من سورة نوح عليه السلام؟
ج/ إذا تأملنا هذه الآية{و إني كُلَّما دعوتهم لتغفر لهم} نرى أن نوحا عليه السلام دعا قومه مرة بعد مرة قال “كُلَّما ” فلم تكن مرة واحدة فقط، فعلينا أن ندعو إلى الحق على الاستمرار و أن نصبر على ذلك.
كذلك على الداعية أن تستعمل أساليب متنوعة في الدعوة و تراعي الأوقات المناسبة .
نلاحظ رحمة الداعية
قال(لتغفر لهم)
فهدفه هدايتهم ومغفرة ذنوبهم
(وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ )
طريق الانبياء واحد.فهذا هود عليه السلام مع قوم عاد
…….
3⃣فسري قوله تعالى {وقد خلقكم أطوارا}
يمر خلق الإنسان بمراحل عديدة فيكون أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة و غير مخلقة ثم يخرج من بطن أمه طفلا، كما ذُكِرَ ذلك في الآية التالية:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج: 5].
…….
4⃣لماذا قال نوح عليه السلام (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)
ج/ ذكر الحافظ بن كثير ذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما.
5⃣بعد تفسير الحافظ ابن كثير لقوله تعالى (لتسلكوا منها سبلا فجاجا) تكلم عن التوحيد.اكتبي ذلك

ج/وكل هذا مما ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض ، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية ، فهو الخالق الرزاق ، جعل السماء بناء ، والأرض مهادا ، وأوسع على خلقه من رزقه ، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد ولا يشرك به أحد ; لأنه لا نظير له ولا عديل له ، ولا ند ولا كفء ، ولا صاحبة ولا ولد ، ولا وزير ولا مشير ، بل هو العلي الكبير .

فوائد من تفسير الحافظ ابن كثير
1⃣( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) أي : يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما نهاكم عنه ، أوقعه بكم .
وقد يستدل بهذه الآية من يقول : إن الطاعة والبر وصلة الرحم ، يزاد بها في العمر حقيقة ; كما ورد به الحديث : ” صلة الرحم تزيد في العمر ” .

……
2⃣ ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) مقام الدعوة بالترغيب ، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال : ( ما لكم لا ترجون لله وقارا )
……
3⃣وكل هذا مما ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض ، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية ، فهو الخالق الرزاق ، جعل السماء بناء ، والأرض مهادا ، وأوسع على خلقه من رزقه ، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد ولا يشرك به أحد ; لأنه لا نظير له ولا عديل له ، ولا ند ولا كفء ، ولا صاحبة ولا ولد ، ولا وزير ولا مشير ، بل هو العلي الكبير .
…..
4⃣ قالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21)

يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام ، أنه أنهى إليه ، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء ، أنه مع البيان المتقدم ذكره ، والدعوة المتنوعة المتشملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى : أنهم عصوه وكذبوه وخالفوه ، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله ، ومتع بمال وأولاد ، وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام ; ولهذا قال : ( واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) قرئ ) وولده ) بالضم وبالفتح ، وكلاهما متقارب .
…. .
5⃣ ( وقد أضلوا كثيرا ) يعني الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقا كثيرا ، فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم . وقد قال الخليل عليه السلام ، في دعائه : ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) [ إبراهيم : 35 ، 36 ] .
وقوله : ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم ، كما دعا موسى على فرعون ومثله في قوله : ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 88 ]وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه ، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به .
…….
6⃣ يقول تعالى : ( مماخطاياهم ) وقرئ : ( خطيئاتهم ) ) أغرقوا ) أي : من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم ( أغرقوا فأدخلوا نارا ) أي : نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار
….
7⃣ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ) أي : إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك ، أي : الذين تخلقهم بعدهم ( ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) أي : فاجرا في الأعمال كافر القلب ، وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما
…..
8⃣( رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا )
دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات ، وذلك يعم الأحياء منهم والأموات ; ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء ، اقتداء بنوح عليه السلام ، وبما جاء في الآثار ، والأدعية المشهورة المشروعة

فوائد من تفسير ش. السعدي
1⃣ إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1)

إلى آخر السورة لم يذكر الله في هذه السورة سوى قصة نوح وحدها لطول لبثه في قومه، وتكرار دعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك، فأخبر تعالى أنه أرسله إلى قومه، رحمة بهم، وإنذارا لهم من عذاب الله الأليم، خوفا من استمرارهم على كفرهم، فيهلكهم الله هلاكا أبديا، ويعذبهم عذابا سرمديا، فامتثل نوح عليه السلام لذلك، وابتدر لأمر الله.
……
2⃣ [ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا } أي: نفورا عن الحق وإعراضا، فلم يبق لذلك فائدة، لأن فائدة الدعوة أن يحصل جميع المقصود أو بعضه.
…..
3⃣ { ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } كل هذا حرص ونصح، وإتيانهم بكل باب يظن أن يحصل منه المقصود
…..
4⃣ { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ }أي: اتركوا ما أنتم عليه من الذنوب، واستغفروا الله منها.
{ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا } كثير المغفرة لمن تاب واستغفر، فرغبهم بمغفرة الذنوب، وما يترتب عليها من حصول الثواب، واندفاع العقاب.
…..
5⃣ { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا }أي: خلقا [من] بعد خلق، في بطن الأم، ثم في الرضاع، ثم في سن الطفولية، ثم التمييز، ثم الشباب، إلى آخر ما وصل إليه الخلق ، فالذي انفرد بالخلق والتدبير البديع، متعين أن يفرد بالعبادة والتوحيد، وفي ذكر ابتداء خلقهم تنبيه لهم على الإقرار بالمعاد، وأن الذي أنشأهم من العدم قادر على أن يعيدهم بعد موتهم.
…..
6⃣ { وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا }لأهل الأرض { وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا } .
ففيه تنبيه على عظم خلق هذه الأشياء، وكثرة المنافع في الشمس والقمر الدالة على رحمته وسعة إحسانه، فالعظيم الرحيم، يستحق أن يعظم ويحب ويعبد ويخاف ويرجى.
…..
7⃣{ قَالَ نُوحٌ } شاكيا لربه: إن هذا الكلام والوعظ والتذكير ما نجع فيهم ولا أفاد.
{ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي } فيما أمرتهم به { وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا } أي: عصوا الرسول الناصح الدال على الخير، واتبعوا الملأ والأشراف الذين لم تزدهم أموالهم ولا أولادهم إلا خسارا أي: هلاكا وتفويتا للأرباح فكيف بمن انقاد لهم وأطاعهم؟!
…..
8⃣ { وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا } أي: لو كان ضلالهم عند دعوتي إياهم بحق، لكان مصلحة، ولكن لا يزيدون بدعوة الرؤساء إلا ضلالا أي: فلم يبق محل لنجاحهم ولا لصلاحهم، ولهذا ذكر الله عذابهم وعقوبتهم الدنيوية والأخروية
…..
9⃣
{ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا }خص المذكورين لتأكد حقهم وتقديم برهم، ثم عمم الدعاء،

 

📚 سورة نوح عليه السلام من كتاب القرآن تدبر وعمل📚

(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وعُدل عن أن يقال له: «أنذر الناس» إلى قوله: (أن أنذر قومك) إلهاباً لنفس نوح؛ ليكون شديد الحرص على ما فيه نجاتهم من العذاب؛ فإن فيهم أبناءه وقرابته وأحبته. ابن عاشور: 29/187.

(قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)
افتتاح دعوته قومَه بالنداء لطلب إقبال أذهانهم. ونداؤهم بعنوان: أنهم قومه تمهيداً لقبول نصحه؛ إذ لا يريد الرجل لقومه إلاّ ما يريد لنفسه. وتصدير دعوته بحرف التوكيد لأن المخاطبين يترددون في الخبر. ابن عاشور: 29/188.

(أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ)
فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول؛ فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. ابن تيمية: 6/398.

(وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ)
أي دعوتهم ليؤمنوا فتغفر لهم؛ فذكر المغفرة التي هي سبب عن الإيمان ليظهر قبح إعراضهم عنه؛ فإنهم أعرضوا عن سعادتهم. ابن جزي: 2/494.

(ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا [8] ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا)
ذكر أولاًً أنه دعاهم بالليل والنهار، ثم ذكر أنه دعاهم جهاراً، ثم ذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار، وهذه غاية الجد في النصيحة وتبليغ الرسالة صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ابن جزي: 2/495.

💡العلم بالآيات💡

1- أدِّ عملاً دعويًا من: إرسال رسالة، أو تسجيل صوتي أو مرئي، أو تقديم نصيحة، أو أي وسيلة أخرى، (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا [8] ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا).

📖التوجيهات📖
1- الصبر ركن أساس في دعوة كل داعية، (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا).

📖 الوقفات التدبرية📖

1- (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [10] يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا)
في الآية دليل على أن الاستغفار يوجب نزول الأمطار، ولذلك خرج عمر بن الخطاب إلى الاستسقاء فلم يزد على أن أستغفر ثم انصرف، فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟! فقال: والله لقد استسقيت أبلغ الاستسقاء. ابن جزي: 2/495.

2- (مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا)
أي: ما لكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أحدكم بالعقوبة، أي: أيُّ عذر لكم في ترك الخوف من الله. القرطبي: 21/255.

3- (مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا)
لو عظَّموا الله وعرفوا حق عظمته وحَّدوه وأطاعوه وشكروه؛ فطاعته سبحانه واجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره في القلب. ابن القيم: 3/203.

4- (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا)
فإن البسط لهم في الدنيا كان سبباًً لطغيانهم وبطرهم، واتباعهم لأهوائهم حتى كفروا واستغلوا غيرهم، فغلبوا عليهم، فكانوا سبباً في شقائهم وخسارتهم بخسارتهم. البقاعي: 20/447.

5- (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا)
أي: بقاؤهم مفسدة محضة؛ لهم ولغيرهم، وإنما قال نوح عليه السلام ذلك لأنه مع كثرة مخالطته إياهم، ومزاولته لأخلاقهم، علم بذلك نتيجة أعمالهم؛ لا جرم أن الله استجاب دعوته فأغرقهم أجمعين، ونجّى نوحاً ومن معه من المؤمنين.السعدي: 889.

6- (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)
يؤخذ من هذا أن سنة الدعاء أن يقدم الإنسان الدعاء لنفسه على الدعاء لغيره. ابن جزي: 2/495.

💡 العمل بالآيات💡

1- تأمل في خلق السموات والأرض واستخرج فائدتين، (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا [15] وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا).
2- قل: اللهم إنا ندرأ بك في نحور الأعداء ونعوذ بك من شرورهم، (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا).
3- قل: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا).

📖 التوجيهات📖
1- كثرة الاستغفار جالبة للمطر، ودافعة للفقر، وعلاج للعقم، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [10] يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا [11] وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ).
2- في كل مجتمع دعاة خير ودعاة شر, (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا).
3 – وجوب توقير الله وتعظيمه بتوحيده وعدم الإشراك به, (مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا).

 

شاركـنـا !
مواضيع ذات صلة

التعليقات مغلقة.
جديد الفيديوهات
القائمة البريدية
تغريدات
تابعوني على تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر © 2015