الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر
تفسير سورة الحاقة
alhaagah 1 - تفسير سورة الحاقة

سورة الحاقة- مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]

حتمية وقوع القيامة تأكيدًا لصدق القرآن، ووعدًا للمؤمنين بالفرحة، ووعيدًا للمكذبين بالحسرة.

[التَّفْسِيرُ]

1. الْحَاقَّةُ
يذكر الله ساعة البعث التي تحق على الجميع.

2. مَا الْحَاقَّةُ
ثم يعظم أمرها بهذا السؤال. أي شيء هي الحاقة ؟

3. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ
وما أعلمك ما هذه الحاقة ؟

4. كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ
كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود، بالقيامة التي تقرع الناس من شدة أهوالها.

5. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ
فأما ثمود فقد أهلكهم الله بالصيحة التي بلغت الغاية في الشدة والهول.

6. وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ
وأما عاد فقد أهلكهم الله بريح شديدة البرد قاسية بلغت الغاية في القسوة عليهم.

7. سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ
أرسلها الله عليهم مدة سبع ليالٍ وثمانية أيام تفنيهم عن بكرة أبيهم، فترى القوم في ديارهم هَلْكَى مصروعين في الأرض، كأنهم بعد إهلاكهم أصول نخل ساقطة على الأرض بالية.

8. فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ
فهل ترى لهم نفسًا باقية بعد ما أصابهم من العذاب؟!

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الصبر خلق محمود لازم للدعاة وغيرهم.
• التوبة تَجُبُّ ما قبلها وهي من أسباب اصطفاء الله للعبد ويجعله من عباده الصالحين.
• تنوع ما يرسله الله على الكفار والعصاة من عذاب دلالة على كمال قدرته وكمال عدله.

9.وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ
وجاء فرعون ومن قبله من الأمم، والقرى التي عذبت بقلب عاليها سافلها، وهم قوم لوط، بالأفعال الخاطئة من الشرك والمعاصي.

10.فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً
– فعصى كل منهم رسوله الَّذي بعث إليهم وكذبوه، فأخذهم الله أخْذَة زائدة على ما يتمّ به هلاكهم.

11.إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ
إنا لما تجاوز الماء حدَّه في الارتفاع حملنا من كنتم في أصلابهم في السفينة الجارية التي صنعها نوح عليه السلام بأمرنا، فكان حَمْلًا لكم.

12.لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ
لنجعل السفينة وقصتها موعظة يُسْتدلّ بها على إهلاك أهل الكفر، وإنجاء أهل الإيمان، وتحفظها أذن حافظة لما تسمع.

13.فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ
فإذا نفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن نفخة واحدة وهي النفخة الثانية.

14.وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً
ورُفِعت الأرض والجبال، فَدُقَّتا دقَّة واحدة شديدة فَرَّقَت أجزاء الأرض وأجزاء جبالها.

15.فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
فيوم يحصل ذلك كله تقع القيامة.

16.وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ
وتشققت السماء يومئذ لنزول الملائكة منها، فهي في ذلك اليوم ضعيفة بعد أن كانت شديدة متماسكة.

17.وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ
والملائكة على أطرافها وحافَّاتها، ويحمل عرشَ ربك في ذلك اليوم العظيم ثمانية من الملائكة المقربين.

18.يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ
في ذلك اليوم تُعْرَضون -أيها الناس- على الله، لا تخفى على الله منكم خافية أيًّا كانت، بل الله عليم بها مطّلع عليها.

19.فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ
فأما من أُعْطِى كتاب أعماله بيمينه فهو يقول من السرور والبهجة: خذوا اقرؤوا كتاب أعمالي.

20.إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ
إني علمت في الدنيا وأيقنت أني مبعوث، وملاقٍ جزائي.

21.فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
فهو في عيشة مرضية؛ لما يراه من النعيم الدائم.

22.فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
في جنة رفيعة المكان والمكانة.

23.قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ
ثمارها قريبة ممن يتناولها.

24.كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ
يقال تكريمًا لهم: كلوا واشربوا أكلًا وشربًا لا أذى فيه بما قدمتم من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا.

25. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ
وأما من أُعْطي كتاب أعماله بشماله، فيقول من شدة الندم: يا ليتني لم أعط كتاب أعمالي لما فيه من الأعمال السيئة المستوجبة لعذابي.

26. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ
ويا ليتني لم أعرف أي شيء يكون حسابي.

27. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
يا ليت الموتة التي متّها كانت الموتة التي لا أُبْعَث بعدها أبدًا.

28. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ
لم يدفع عني مالي من عذاب الله شيئًا.

29.

هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ
غابت عني حجتي وما كنت أعتمد عليه من قوة وجاهٍ.

30. خُذُوهُ فَغُلُّوهُ
ويقال: خذوه -أيها الملائكة- واجمعوا يده إلى عنقه.

31. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
ثم أدخلوه النار ليعاني حرّها.

32. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ
ثم أدخلوه في سلسلة طولها سبعون ذراعًا.

33. إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ
إنه كان لا يؤمن بالله العظيم.

34. وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
ولا يحثّ غيره على إطعام المسكين.

35. فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ
فليس له يوم القيامة قريب يدفع عنه العذاب.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• المنة التي على الوالد منة على الولد تستوجب الشكر.
• إطعام الفقير والحض عليه من أسباب الوَقاية من عذاب النار.
• شدة عذاب يوم القيامة تستوجب التوقي منه بالإيمان والعمل الصالح.

36. وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ
وليس له طعام يطعمه إلا من عصارة أبدان أهل النار.

37. لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُونَ
لا يأكل ذلك الطعام إلا أصحاب الذنوب والمعاصي.

38.فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ
أَقسم الله بما تشاهدون.

39. وَمَا لا تُبْصِرُونَ
وأقسم بما لا تشاهدون.

40. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
إن القرآن لكلام الله، يتلوه على الناس رسوله الكريم.

41. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ
وليس بقول شاعر؛ لأنه ليس على نظم الشعر، قليلًا ما تؤمنون.

42. وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ
وليس بقول كاهن، فكلام الكهان أمر مُغَايِر لهذا القرآن، قليلًا ما تتذكرون.

43. تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ
ولكنه منزل من رب الخلائق كلهم.

44. وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ
ولو تَقَوَّل علينا محمد بعض الأقاويل التي لم نقلها.

45. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
لانتقمنا منه وأخذنا منه بالقوة منا والقدرة.

46. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ
ثم لقطعنا منه العِرْق المتصل بالقلب.

47. فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ
فليس منكم من يمنعنا منه، فبعيد أن يَتَقَوَّل علينا من أجلكم.

48. وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
وإن القرآن لموعظة للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

49. وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ
وإنا لنعلم أن من بينكم مَنْ يكذب بهذا القرآن.

50. وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ
وإن التكذيب بالقرآن لندامة عظيمة يوم القيامة.

51. وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ
وإن القرآن لهو حق اليقين الَّذي لا مِرْية ولا ريب أنَّه من عند الله.

52. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
فنزه -أيها الرسول- ربك عما لا يليق به، واذكر اسم ربك العظيم.

 

أسئلة سورة الحاقة:
1⃣ (عرش ربك) ذكر الحافظ ابن كثير معنيين فما هما؟
ج/ يحتمل أن يكون المراد بهذا:
1- العرش العرش العظيم ، 2- أو : العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء ، والله أعلم بالصواب
……..
2⃣ ذكر الحافظ ابن كثير العلة (السبب) في قول اهل الجنة(فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه) فاكتبيها
ج/ لأنه يعلم أن الذي فيه خير و حسنات محضة ،لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات.
………
3⃣ ذكر ش. السعدي سبب تسمية يوم القيامة بالحاقة فاكتبيه
ج/ (الْحَاقَّةُ } من أسماء يوم القيامة، لأنها :تحق وتنزل بالخلق، وتظهر فيها حقائق الأمور، ومخبآت الصدور.
4⃣ لماذا يقول اهل السعادة(اني ظننت اني ملاق حسابيه) ذكر السبب ش. السعدي
هؤلاء هم أهل السعادة يعطون كتبهم التي فيها أعمالهم الصالحة بأيمانهم تمييزا لهم وتنويها بشأنهم ورفعا لمقدارهم، ويقول أحدهم عند ذلك من الفرح والسرور ومحبة أن يطلع الخلق على ما من الله عليه به من الكرامة: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} أي: دونكم كتابي فاقرأوه فإنه يبشر بالجنات، وأنواع الكرامات، ومغفرة الذنوب، وستر العيوب.والذي أوصلني إلى هذه الحال، ما من الله به علي من الإيمان بالبعث والحساب، والاستعداد له بالممكن من العمل، ولهذا قال: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} أي: أيقنت فالظن -هنا-[بمعنى] اليقين.
…….
فوائد من تفسير الحافظ ابن كثير:
1⃣فإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13)يقول تعالى مخبرا عن أهوال يوم القيامة ، وأول ذلك نفخة الفزع ، ثم يعقبها نفخة الصعق حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين ، والبعث والنشور ، وهي هذه النفخة . وقد أكدها هاهنا بأنها واحدة ، لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع ، ولا يحتاج إلى تكرار وتأكيد.
……

2⃣(ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)
أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. صححه الألباني.
……
3⃣ في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى ، فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” يدني الله العبد يوم القيامة ، فيقرره بذنوبه كلها ، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله : إني سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم . ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه ، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد : ( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين )
……
4⃣(في جنة عالية)
قد ثبت في الصحيح : ” إن الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض
……
5⃣ كلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)

وقوله : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) أي : يقال لهم ذلك ; تفضلا عليهم ، وامتنانا وإنعاما وإحسانا . وإلا فقد ثبت في الصحيح ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة ” . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ” ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل “
……
6⃣ ولَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)

وقوله : ( إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين ) أي : لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته ، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم ; فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا ، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى ; ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : ” الصلاة ، وما ملكت أيمانكم ” .
……

فوائد من تفسير ش. السعدي
1⃣ الْحَاقَّةُ (1)

{ الْحَاقَّةُ } من أسماء يوم القيامة، لأنها تحق وتنزل بالخلق، وتظهر فيها حقائق الأمور، ومخبآت الصدور، فعظم تعالى شأنها وفخمه، بما كرره من قوله: { الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ } فإن لها شأنا عظيما وهولا جسيما، ومن عظمتها أن الله أهلك الأمم المكذبة بها بالعذاب العاجل.
…….
2⃣لنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)

فاحمدوا الله واشكروا الذي نجاكم حين أهلك الطاغين واعتبروا بآياته الدالة على توحيده ولهذا قال: { لِنَجْعَلَهَا } أي: الجارية والمراد جنسها، { لَكُمْ تَذْكِرَةً } تذكركم أول سفينة صنعت وما قصتها وكيف نجى الله عليها من آمن به واتبع رسوله وأهلك أهل الأرض كلهم فإن جنس الشيء مذكر بأصله. وقوله: { وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } أي: تعقلها أولو الألباب ويعرفون المقصود منها ووجه الآية بها. وهذا بخلاف أهل الإعراض والغفلة وأهل البلادة وعدم الفطنة فإنهم ليس لهم انتفاع بآيات الله لعدم وعيهم عن الله، وفكرهم بآيات الله
…….
3⃣ { إنه كان لايؤمن بالله العظيم.وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } أي: ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء والمساكين فلا يطعمهم [من ماله] ولا يحض غيره على إطعامهم، لعدم الوازع في قلبه، وذلك لأن مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله، الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق بوجوه الإحسان، الذي من أعظمها، دفع ضرورة المحتاجين بإطعامهم ما يتقوتون به، وهؤلاء لا إخلاص ولا إحسان، فلذلك استحقوا ما استحقوا.
……
3⃣ فإذا كان الله قد أيد رسوله بالمعجزات، وبرهن على صدق ما جاء به بالآيات البينات، ونصره على أعدائه، ومكنه من نواصيهم، فهو أكبر شهادة منه على رسالته.
…..
4⃣{ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ } أي: أعلى مراتب العلم، فإن أعلى مراتب العلم اليقين وهو العلم الثابت، الذي لا يتزلزل ولا يزول. واليقين مراتبه ثلاثة، كل واحدة أعلى مما قبلها:
أولها: علم اليقين، وهو العلم المستفاد من الخبر.
ثم عين اليقين، وهو العلم المدرك بحاسة البصر.
ثم حق اليقين، وهو العلم المدرك بحاسة الذوق والمباشرة.
وهذا القرآن الكريم، بهذا الوصف، فإن ما فيه من العلوم المؤيدة بالبراهين القطعية، وما فيه من الحقائق والمعارف الإيمانية، يحصل به لمن ذاقه حق اليقين.

 

📚 سورة الحاقة من كتاب القرآن تدبر و عمل 📚
📖الوقفات التدبرية📖
(خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ)
ونسبة الخشوع إلى الأبصار -وهو الخضوع والذلة- لظهور أثره فيها.الشوكاني: 5/275.

(وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ)
قال إبراهيم التيمي: يعني إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة، وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون. البغوي: 4/454.

(فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)
أي سنستنزلهم إلى العذاب درجة فدرجة؛ بالإمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة، مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم وتفضل على المؤمنين، مع أنه سبب لهلاكهم. الألوسي: 15/41.

(سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)
قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر، وقال الحسن: كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه، وقال أبو روق: أي كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار ….، وفي الحديث: (أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يارب كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، قال: فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قل له: كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر؛ إن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراج مني وعقوبة لو عقلت. القرطبي: 21/180.
📖- الوقفات التدبرية📖
(وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)
فالوعيُ توصف به الأذن كما يوصف به القلب؛ يقال: قلب واعٍ، وأذن واعية؛ لِمَا بين الأذن والقلب من الارتباط؛ فالعلم يدخل من الأذن إلى القلب، فهي بابه والرسول والموصل إليه العلم، كما أن اللسان رسوله المؤدي عنه. ومن عرف ارتباط الجوارح بالقلب علم أن الأذن أحقها أن توصف بالوعي، وأنها إذا وعت وعى القلب. ابن القيم: 3/189.

(لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)
والوعي: العلم بالمسموعات، أي: ولتعلم خبرها أذن موصوفة بالوعي، أي: من شأنها أن تعي. وهذا تعريض بالمشركين؛ إذ لم يتعظوا بخبر الطوفان والسفينة التي نجا بها المؤمنون، فتلقوه كما يتلقون القصص الفكاهي. ابن عاشور: 29/123.
(إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ)
كلما كان الإنسان أعلى كان الاستشعار والنقص من نفسه أكثر … يكفي العاقل في الخوف الحامل له على العمل. البقاعي: 20/362.

(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)
وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل]. ابن تيمية: 6/388.

(ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [32] إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [33] وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)
كان أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع نصفها. اقتبس ذلك من الآية. الألوسي: 15/57.

(وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)
ووصفه بأنه (لا يحض على طعام المسكين) يدل على أنه لا يطعمه من باب أولى، وهذه الآية تدل على عظم الصدقة وفضلها؛ لأنه قرن منع طعام المسكين بالكفر بالله. ابن جزي: 2/494.

💡- العمل بالآيات💡

1- ادع الله أن تأخذ كتابك باليمين يوم القيامة، (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ).

2- تصدق بصدقة، (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ).

3- أطعم مسكينًا، (وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ).

📖- التوجيهات📖

1- ترك معاصي الخلوات فالله لا تخفى عليه خافية، (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ).
2- التذكير بشدة أهوال يوم القيامة، (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ).

3- المال والسلطان لا يغنيان عن العبد شيئاً إذا نزل به عذاب الله تعالى، (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [28] هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [29] خُذُوهُ فَغُلُّوهُ).

📖- الوقفات التدبرية📖

(تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
ما تضمنه قوله: (تنزيل من رب العالمين) أن ربوبيته الكاملة لخلقه تأبى أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم، ويحذرهم ما يضرهم، بل يتركهم هملاً بمنْزلة الأنعام السائمة؛ فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره، ونسبه إلى ما لا يليق به تعالى. ابن القيم: 3/191.
-:
(وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)
أي من العالمين؛ لأنهم المنتفعون به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد. البقاعي: 20/383.

شاركـنـا !
مواضيع ذات صلة

التعليقات مغلقة.
جديد الفيديوهات
القائمة البريدية
تغريدات
تابعوني على تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر © 2015