الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر
ختام رمضان
t - ختام رمضان

ختام رمضان

تبكي القلوب على وداعك حرقةً     كيف العيون إذا رحلت ستفعلُ

مابال شهر الصوم يمضي مسرعاً   وشهور باقي العام كم تتمهلُ

هاأنت تمضي ياحبيب وعمرنا       يمضي ومن يدري أأنت ستُقبلٌ

فعساك ربي قد قبلت صيامنا          وعساك كل قيامنا تتقبلُ

ياليلة القدرالمعظَم أجرها            هل اسمنا في الفائزين مسجلُ؟

كم قائم كم راكع كم ساجد           قد كان يدعو الله بل يتوسلُ

اعتق رقابا قد أتتك يزيدها          شوقا إليك فؤادها المتوكلُ

يامن تحب العفو جئتك مذنبا       هلا عفوت فما سواك سأسألُ

رمضان لا تمضي وفينا غافل     ما كان يرجو الله أو يتذلل

حتى يعود لربه متضرعا        فهو الرحيم المنعم المتفضل

رمضان لاأدري أعمري ينقضي   من قادم الأيام أم نتقابل

فالقلب غاية سعده سيعيشها      والعين في لقياك سوف تُكحل

رمضان تنقضي أيامه ولياليه سريعا وهو شهر مرتب لايحتاج خططا طويلة لتنظيمه فنهاره وليله تعبد متنوع متعدد إن نمنا وإن استيقظنا وإن كنا في عمل خارج البيت أو داخله.

وابن رجب الحنبلي – رحمه الله – يخاطب رمضان بقلوبنا لما قال:

(ياشهر رمضان ترفّق، دموع المحبين تدفّق ،قلوبهم من ألم الفراق تشقّق ،عسى وقفة للوداع تطفيء من نار الشوق ما أحرق ، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ماتخرّق ،عسى منقطع من ركب المقبولين يلحق ،عسى أسير الأوزار يُطلق ،عسى من استوجب النار يُعتق. شهر رمضان قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا القليل فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام ومن فرط فليختمه بالحسنى والعمل بالختام فاستغنموا منه ما بقي من الليالي اليسيرة والأيام واستودعوه عملا صالحا يشهد لكم به عند الملك العلام وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام .
سلام من الرحمن كل أوان … على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على الصيام فإنه … أمان من الرحمن كل أمان
لئن فنيت أيامك الغر بغتة … فما الحزن من قلبي عليك بفان)

وفي ختام مواسم الطاعات تجتمع في المؤمن حالتان فطريتان:

حالة الحزن على انقضاء موسمها

حالة حسن الظن في الله بقبول العمل والفرح بذلك لا اغترارا ولا عجبا بما قدم من طاعات ولذا نتأمل أنه بعد انقضاء أكبر موسمين للطاعات ( رمضان والحج) يأتي العيد ليملأ قلوبنا فرحا وإقبالا على الله وليس بعدا وتفلتا

السؤال : هل الحزن على فراق رمضان منهي عنه شرعا؟ وهل ثبت عن الرسول ملازمة الحزن على فراقه؟

كل عبادة لها زمانها الذي يغلفه حالان هما الفرح بقدومها ثم الحزن على فراقها من غير غلو

والله تعالى يقول تعالى(الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ )عن عائشة – رضي الله عنها – زوج النبي – صلى الله عليه وسلم – قالت : سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الآية (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) قالت عائشة : أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات.

وأورد القرطبي هذه العبارة الموفقة: وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله من مخالفته ؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة ، والطاعة تطلب بتصحيح الفرض.

يقول العلامة عبد الله ابن جبرين – رحمه الله -:(المسلم يحزن كلما اقتربت أيام هذا الشهر من النهاية ؛لأنها أيام يضاعف فيها الأجر والثواب وفيها العتق من النار ولقد كان السلف يحزنون على فراق الشهر ويودعونه وهم آسفون على فراقه فهكذا يكون حال المؤمن المحب للأعمال الصالحة والمحب لمواقيتها يودعها ويرجو الله عودا.

‏وعلى كل حال فلا مانع من الجمع بين الفرح بإكمال شهر رمضان والفرح بالعيد، وهو ما وفق فيه العبد للأعمال الصالحة، وبين الحزن على ‎رمضان وهو الحزن على الأوقات التي تكون فاضلة والأعمال فيها مضاعفة.لكن المنهي عنه هو الاستغراق في الحزن والمبالغة فيه ونهي الغير عن الفرح في العيدين وإظهار السرور المباح فيه    )

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:”إِظْهَار السُّرُورِ فِي الْأَعْيَادِ.. مِنْ شِعَارِ الدِّينِ”. فتح الباري
يقول ابن رجب – رحمه الله- في موسوعته الموسمية لطائف المعارف :إذا كان الحزن على رمضان، حزناً طبيعياً جبلِّياً، لفراق المألوف، ودون كلفة وتكلف، فهذا لا بأس به، وهو وارد على النفس لا محالة، كفراق عزيز، أو نزوح حبيب، مثلاً.
وقال رحمه الله: كيف لا تجري للمؤمن على فراق رمضان دموعُ، وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليهِ رجوع” ؟

وقدوتنا في ذلك الرسول r فقد عاش رمضان وخاصة العشر الأواخر منه صائما قائما بل قبل العيد بليلة كان صائما قائما وفي العيد لم يمنع الانشاد المباح وقال ( حتى يعلم اليهود أن في ديننا سعة)

خطوات في وداع رمضان:

الخطوة الأولى :الشكر قولا وعملا أن بلغنا مواسم الطاعات

ونتأمل قوله تعالى (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ( فالشيطان يتربص بنا خاصة بعد مواسم الطاعات وهذا يوجب التذكير بفريضة الشكر الصادق يعني الشكر قولا وعملا يعني استمرار الطاعات فالفرح في العيدين لايعني التفلت

ومن آثار الشكر:الفرح الذي قال عنه r ( للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه  فرحٌ باستكمال هذهِ العِبادة، الحمدُ لله أنَّهُ أكمل هذا اليوم من غير أنْ يَعْرِضَ لهُ شيءٌ يضطرُّهُ إلى الفِطر، ومُباشرة ما امتنَّ الله بِهِ -جلَّ وعلا- عليهِ وأبَاحهُ لهُ من الطعام والشراب والنكاح وفرح أن رزقه الله السلامة من العوائق المرضية فاستطاع الصيام وغيره مريض ممنوع منه واما ((عند لقاء ربِّه)) إذا رأَى ما وَعَد الله بِهِ عِبَادَهُ الصَّائِمِينْ، وفي الجَنَّة باب يُقال لهُ الرَّيَّان لا يَدْخُل معهُ إلا الصَّائِمُونْ لا شكَّ أنَّ مثل هذا يَبْعَثْ على الفَرَح ويَحُثُّ على العَمَل.

الخطوة الثانية هي : الاستمرارية كما وصفت عائشة رضي الله عنها عمل الرسول  صلى الله عليه وسلم (كَانَ عَمَلُهُ دِيمَة) أي كانت أعماله صلى الله عليه وسلم في شعبان وفي رمضان وفي غيرهما من الشهور أعمالاً لا تنقطع،  فإذا جاءت مواسم المغفرة ازداد في الاجتهادصلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك:

الاستمرار في قيام الليل وعدم تركه ولو ركعتين مع الوتر ركعة

  • الصدقة
  • الورد القرآني
  • حسن الخلق

الخطوة الثالثة: صدق الاستعانة بالله تعالى والاستعانة كما وضحها ابن القيم : (الاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ولا يعتمد عليه في أموره مع ثقته به لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به لحاجته إليه ولعدم من يقوم مقامه فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به.)

وفصل الشيخ عبد العزيز الداخل الاستعانة فقال حفظه الله :(والتقصير في الاستعانة تحصل بسببه آفات عظيمة من الضعف والعجز والوهن فإن أصابه ما يحِبُّ فقد يحصل منه عجب واغترار بما يملك من الأسباب، وإن أصابه ما يكره فقد يبتلى بالجزع وقلة الصبر.

وتحقيق الاستعانة يكون بأمرين:

أحدهما: التجاء القلب إلى الله تعالى، والإيمان بأن النفع والضر بيده جل وعلا، وأنه مالك الملك ومدبر الأمر، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه سميع عليم وقريب مجيب، فيستعين به راجياً إعانته.

والآخر: بذل الأسباب التي هدى الله إليها وبينها ، فيبذل في كل مطلوب ما أذن الله تعالى به من الأسباب. 

وأفضل أنواع الاستعانة وأكملها وأحبها إلى الله الاستعانة بالله على طاعة الله، وكلما كان المؤمن أشد حباً لله ورجاء في فضله وخوفاً من سخطه وعقابه كان على هذا الأمر أحرص، وعرف أن حاجته إليه أشد.

واستعانة العبادة هي التي يصحبها معان تعبدية تقوم في قلب المستعين من المحبة والخوف والرجاء والرغب والرهب فهذه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله.

واستعانة التسبب، وهو بذل السبب رجاء نفعه في تحصيل المطلوب مع اعتقاد أن النفع والضر بيد الله ، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.)

الخطوة الرابعة :الإلحاح في الدعاء بالثبات والقبول والتوفيق على طاعات وفقنا الله لها

الخطوة الخامسة :توبة صادقة نصوحا عن التقصير والمقارفة للمعاصي

الخطوة السادسة :معاهدة القلوب التي أقبلت على الله في رمضان بالتزكية

الخطوة السابعة :حسن اختيار الصحبة الصالحة المتنوعة من البشر والبرامج وقنوات الأجهزة

لأننا نؤمن بقوله تعالى (إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقوله تعالى ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ) 6 (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10))

الخطوة الثامنة: الحذر الشديد من كيد الشيطان بعد رمضان . فشياطين الإنس والجن لما يجدوا القلوب المقبلة على الله في رمضان مع وعد الله لمن قام بهذه الطاعات إيمانا واحتسابا بمغفرة ماتقدم من ذنوبه يأتون بعد رمضان ليقوموا بالتخذيل والتسويف والتخفف من الطاعات رويدا رويدا وهم كما وصفهم الله تعالى (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا 119 يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (

والوداع المملوء بالشوق والحزن واللوعة يعني الحب لمن نودعه لذا نوصي بعضنا:

وداع رمضان يعني استمرار السباق من بعده لرضا الرحمن : فماذا أعددنا لما بعده؟ هناك من نوى صيام الست من شوال وهذه نعمة عظيمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» (متفق عليه)

لكن ماذا أعددنا غير ذلك؟ هل سنصبر عن المعاصي الظاهرة والباطنة؟

هل جهزنا ملابس يرضى عنها الله تعالى للصغار والكبار؟

هل جهزنا للقاءاتنا ورحلاتنا وسفرنا مايرضي الله ؟

هل سنستمرفي هجر كل مايخدش طاعاتنا في رمضان من منكرات البصر والسمع واللسان واليدين والقدمين ؟ فلا ننظر ولا نسمع ولا نتكلم ولا نشتغل بأيدينا ونعمل بها ولا نسير بأقدامنا إلا لما يرضى عنه الله تعالى.

هل فكرنا في هذا السؤال : هل نحن رمضانيون أم ربانيون؟

لنجاهد أنفسنا في ختام رمضان وقد بقيت له ليلة أو ليلتين بالإحسان في أعمالنا فالعبرة بالخواتيم

اللهم اختم لنا رمضان بعفوك وغفرانك والعتق من نيرانك واجعلنا فيه من المقبولين الفائزين وارزقنا الثبات والتوفيق لما بعده .اللهم آمين.

كتبته:د. حياة بنت سعيد بااخضر

28/9/ 1439 هـ

شاركـنـا !
مواضيع ذات صلة

التعليقات مغلقة.
جديد الفيديوهات
القائمة البريدية
جميع الحقوق محفوظة لـ الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر © 2015