الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر
رمضان موسم تكفير الذنوب

يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر) صحيح مسلم، (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه مسلم، (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه مسلم.

يشرح لنا شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كيف تكون هذه الأعمال مُكَفِّرة للذنوب فيقول:

فإن الإنسان قد يقول: إذا كُفِّر عني بالصلوات الخمس، فأيّ شيء تكفر عني الجمعة ورمضان، وكذلك صوم يوم عرفة وعاشوراء؟ وبعض الناس يجيب عن هذا بأنه يكتب لهم درجات إذا لم تجد ما تكفّره من السيئات.

فيقال: أولاً: العمل الذي يمحو الله به الخطايا ويكفّر به السيئات هو العمل المقبول.

والله تعالى إنما يتقبَّلُ من المتقين.

والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ } ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر. وعندهم صاحب الكبيرة لا يُقبل منه حسنة بحال. والمرجئة يقولون: من اتّقى الشرك. والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل إلا مما اتّقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصاً لوجه الله تعالى.

قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عملاً } قال: أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا عليّ ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنة.

فصاحب الكبائر إذا اتّقى الله في عمل من الأعمال تقبّل الله منه، ومن هو أفضل منه إذا لم يتقّ الله في عمل لم يتقبله منه، وإن تقبل منه عملاً آخر.

وإذا كان الله إنما يتقبل ممن يعمل العمل على الوجه المأمور به، ففي السنن عن عمَّار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ‘إن العبد لينصرف عن صلاته ولم يُكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، حتى قال: إلا عُشرها’.

وقال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عَقلت منها.

وفي الحدث: ‘رب صائم حظه من صيامه العطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر’.102). وكذلك الحج والجهاد وغيرهما.

وفي حديث معاذ موقوفاً ومرفوعاً، وهو في السنن: ‘الغزو غزوان: فغزو يُبتغى به وجه الله، ويُطاع فيه الأمير، وتُنفق فيه كرائم الأموال، ويُياسر فيه الشريك، ويجتنب فيه الفساد، ويُتقى فيه الغلول، فذلك الذي لا يعدله شيء. وغزو لا يُبتغى به وجه الله، ولا يُطاع فيه الأمير، ولا تُنفق فيه كرائم الأموال، ولا يُياسر فيه الشريك، ولا يُجتنب فيه الفساد، ولا يُتّقى فيه الغلول، فذاك حسب صاحب أن يرجع كفانا’.

وقيل لبعض السلف: الحاجّ كثير. فقال: الداج كثير، والحاج قليل. ومثل هذا كثير.

فالمحو والتكفير يقع بما يُتقبّل من الأعمال. وأكثر الناس يقصِّرون في الحسنات، حتى في نفس صلاتهم. فالسعيد منهم من يُكتب له نصفها، وهم يفعلون السيئات كثيراً. فلهذا يُكفَّر بما يُقبل من الصلوات الخمس شيء، وبما يُقبل من الجمعة شيء، وبما يُقبل من صيام رمضان شيء آخر. وكذلك سائر الأعمال، وليس كل حسنة تمحو كل سيئة، بل المحو يكون للصغائر تارة، ويكون للكبائر تارة، باعتبار الموازنة.

والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله له به كبائر. كما في الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ‘يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيُنشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سِجِلٍّ منها مدّ البصر. فيقال: هل تنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: لا ظلم عليك. فتخرج له بطاقة قدر الكف، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فيقول: أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فتوضع هذه البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات’.

فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص. وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله ولم يترجّح قولهم على سيئاتهم، كما ترجّح قول صاحب البطاقة.

وكذلك في الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ‘بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه فيها العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب. ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له’.

وفي لفظ في الصحيحين: ‘إن امرأة بغيّاً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر قد أُدلع لسانه من العطش، فنزعت له موقها، فسقته به، فغُفر لها’وفي لفظ في الصحيحين أنها كانت بغيّاً من بغايا بني إسرائيل’.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ‘بينما رجل يمشي في طريق وجد غصن شوكٍ على الطريق فأخَّره فشكر الله له، فغفر له’.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ‘دخلت امرأة النار في هرّة، ربطتها: لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت’.

فمن كل ما سبق نوقن أن رمضان باب واسع لمغفرة الذنوب وهذا يقتضي منا مراقبة قلوبنا؛ لنصل إلى قَبول أعمالنا فتكون حسنات ماحية للسيئات ولن تكون كذلك إلا بتحقيق شرطي قبول العمل: الإخلاص لله وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وهو تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله.

وهذا يتطلب عملاً للقلوب وهو جهاد عظيم كما في الحديث: “أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه” رواه ابن النجار وصححه الألباني.

وكما في الحديث: “المجاهد من جاهد نفسه في الله”. رواه الترمذي وصححه الألباني.

وفي الحديث: “أفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل”. رواه الطبراني وصححه الألباني.

وقد ذكر ابن رجب في جامع العلوم والحكم وابن حجر في الفتح والمناوي في الفيض أن جهاد النفس من أعظم الجهاد.

ومن أسباب كَفارة الذنوب في رمضان الصدقة بقول ابن رجب -رحمه الله- مبيناً ذلك في كتابه لطائف المعارف بعدة إشارات:

1- إن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، كما في الحديث عن علي رضي الله عنه: (إنَّ في الجنَّةِ لغُرفاً يُرى ظُهورِها من بطونُها، وبطونِها من ظُهورُها فقامَ إليه أعرابيٌّ: فقالَ لمن هيَ يا نبيَّ الله ؟ قالَ: هي لمن أطابَ الكَلامَ، وأطعمَ الطَّعامَ، وأدام الصِّيامَ، وصلَّى للَّهِ باللَّيلِ والنَّاسُ نيام) وقال عنه قال الألباني حديث حسن: صحيح الترمذي.

وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه المؤمن الصيام، والقيام، والصدقة، وطيب الكلام، فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث.

2- الصيام والصدقة والصلاة توصل صاحبها إلى الله عز وجل؛ قال بعض السلف: ” الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة تأخذه بيده فتدخله على الملك “.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟ » قال أبو بكر: أنا، قال: «مَن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن أطعم اليوم مسكيناً؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «من تصدق بصدقةٍ؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن عاد منكم مريضاً؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة».

والجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصاً إن ضمَّ إلى ذلك قيام الليل. فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصيام جُنة»[أخرجه النسائي].

وفي حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. وقيام الرجل في جوف الليل» [أخرجه البخاري].

وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: ” صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يوماً شديداً حرُّه لحر يوم النشور، تصدَّقوا بصدقة لشرِّ يوم عسير “.

3- الصيام لابد أن يقع فيه خَلل ونقص، وتكفير الصيام للذنوب مشروط بالتحفظ مما ينبغي التحفظ منه؛ كما ورد ذلك في حديث خرّجه ابن حبان في صحيحه.

وعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي، ولهذا نهي أن يقول الرجل: صُمت رمضان كله، أو قمت كله. فالصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل، ولهذا وجب في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث.

والصيام والصدقة لهما مدخل في كفارات الأيمان، ومحظورات الإحرام، وكفارة الوطء في رمضان، ولهذا كان الله تعالى قد خيَّر المسلمين في ابتداء الأمر بين الصيام وإطعام المسكين، ثم نسخ ذلك، وبقي الإطعام لمن يعجز عن الصيام، لكبره.

شاركـنـا !
مواضيع ذات صلة

أترك تعليق
ابحث في الموقع
جديد الفيديوهات
القائمة البريدية
التقويم
ديسمبر 2017
د ن ث أرب خ ج س
« أكتوبر    
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  
احصائيات الموقع
  • 27٬088
  • 220
  • 0
  • 0
جميع الحقوق محفوظة لـ الموقع الرسمي للدكتورة حياة با أخضر © 2015